غالبًا ما يكون الموت خاتمة الحكاية في الدراما . غير أنّ مسلسل “صحاب الأرض”يقلب المعادلة، ويجعل من الموت بدايةً لسؤالٍ أكثر قسوة: ماذا يحدث حين يُحرم الإنسان حتى من حقّه في الوداع؟
يقترب مسلسل صحاب الأرض من ملامسة هذه المنطقة الرمادية الواقعة بين الموت والغياب، حيث يتحوّل الجثمان من نهاية طبيعية للحياة إلى بداية سؤال أخلاقي وسياسي معقّد ، هل يمكن أن يستمر الصراع إلى مابعد الموت؟
سلط العمل الضوء على قضية احتجاز جثامين فلسطينيين من المستشفيات، في مشاهد مشحونة بالصدمة والصمت الثقيل. لا يقدّم المسلسل لحظة دخول الجيش الإسرائيلي إلى المستشفى كتفصيل عابر في سياق الصراع، بل يضعه في قلب السرد، كجرحٍ مفتوح يتجاوز الفرد إلى الجماعة.
فالجثمان هنا لا يمثّل جسدًا هامدًا فحسب، بل ذاكرةً وهويةً ورمزًا لكرامةٍ أخيرة. وجرت عادة أسباب إحتجاز جثامين الشهداء بدعوى التحقيق أو لأسباب أمنية، أو لاستخدامها في صفقات تبادل مستقبلية. وفي كثير من الحالات، لا يتم إبلاغ العائلات بتفاصيل واضحة، ما يضاعف من معاناتهم النفسية والإنسانية. يحتلّ طقس الدفن في المجتمع الفلسطيني مكانةً عميقة على المستوى الثقافيّ والدينيّ، فهو فعل وداع، واعتراف بقيمة الحياة حتى في نهايتها. حين يُحتجز الجثمان، تُعلَّق العائلة بين يقين الفقد وغياب الخاتمة. فيتحوّل الانتظار شكلًا من أشكال العذاب، ويؤجّل الحداد.
واللافت أنّ “صحاب الأرض”يراهن على الصورة واللحظة الإنسانية: أمّ تنتظر، أب يحدّق في باب مغلق، وأخوة عالقون بين المستشفى والمجهول. هذه اللحظات الخاطفة للأنفاس تكتسي طابعا آخرا عندما تترجم دراميا عبر الشاشة الصغيرة لتضع أمام المشاهدين سؤال الكرامة قبل سؤال السياسة. هكذا،تُستعاد القضية من إطارها الإخباري إلى فضائها الثقافي، حيث يصبح الفن وسيلة مساءلة، لا مجرد انعكاس للواقع،حيث لا يكتفي “صحاب الأرض” بسرد مأساة، بل يكتب فصلًا من مقاومة رمزية، تُذكّر بأن الثقافة قادرة على كشف ما تحاول السياسة إخفاءه: أن الكرامة لا تنتهي عند حدود الحياة.
بقلم : تقوى جليّل




